الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

16

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

قال : نعم ، قيل له من أين ذلك ؟ قال : من وجود ذلك عن سيد المتوكلين ، الذي لم يلحقه لا حق ، ولا يسبقه في التوكل سابق ، محمد خير البرية - صلى اللّه عليه وسلم - . قيل له : ما تقول في خبر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « من استرقى أو اكتوى برئ من التوكل » « 1 » ؟ قال : برئ من توكل المتوكلين الذين ذكرهم في حديث آخر فقال : « يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب » « 2 » ، وأما سواهم من المتوكلين فمباح لهم الدواء والاسترقاء . فجعل المحاسبي التوكل بعضه أفضل من بعض . وقال في « التمهيد » : إنما أراد بقوله : « برئ من التوكل » إذا استرقى الرقى المكروهة في الشريعة ، أو اكتوى وهو يعلق رغبته في الشفاء بوجود الكي ، وكذلك قوله « لا يسترقون » الرقى المخالفة للشريعة ، « لا يكتوون » وقلوبهم معلقة بنفع الكي ومعرضة عن فعل اللّه تعالى وأن الشفاء من عنده . وأما إذا فعل ذلك على ما جاء في الشريعة ، وكان ناظرا إلي رب الدواء ، وتوقع الشفاء من اللّه تعالى ، وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح للّه تعالى ، وإتعاب نفسه وكدها في خدمة ربه ، فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئا ، استدلالا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك في نفسه وفي غيره انتهى . فقد تبين أن التداوي لا ينافي التوكل ، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها اللّه تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا ، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل ، كما يقدح في الأمر والحكمة .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2055 ) في الطب ، باب : ما جاء في كراهية الرقية ، وابن ماجة ( 3489 ) في الطب ، باب : الكي ، وأحمد في « المسند » ( 4 / 249 و 253 ) ، وابن حبان في « صحيحه » ( 6087 ) ، من حديث المغيرة بن شعبة - رضى اللّه عنه - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح الجامع » ( 6081 ) . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 5705 ) في الطب ، باب : من اكتوي أو كوى غيره وفضل من لم يكتو ، ومسلم ( 220 ) في الإيمان ، باب : الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ، من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما - .